السيد محمد باقر الصدر
125
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
جهلهم بالأسباب التي تحدّدها المادية التأريخية لمجرى التفكير الإنساني ، إنّها لم تكن أسباباً حقاً ، وإنّ المادية التأريخية على خطأ في نظرتها ، وإنّما كان من الضروري أن لا تتكشّف حقيقة تلك الأسباب أمام أبصارهم ، وإلّا لما كانت هناك عملية إيديولوجية . ومن حقّنا أن نقول - بدورنا - لأنجلز : إذا كان من الضروري حقّاً أن تظلّ الدوافع الحقيقية لكلّ إيديولوجية مجهولة عند أصحابها ؛ لئلّا تخرج عن صفتها عملية إيديولوجية . . فكيف جاز لأنجلز نفسه أن يحطّم هذه الضرورة ويصنع المعجزة ، ويتقدّم إلى البشرية بإيديولوجية جديدة ظلّت تتمتّع بصفتها الفكرية والإيديولوجية ، بالرغم من علمه بأسبابها وبواعثها الحقيقية ؟ ! ولنبدأ الآن بالتفاصيل : أ - الدين : فالدين يحتلّ جزءاً بارزاً على الصعيد الفكري ، وقد لعب لأجل هذا أدواراً فعّالة في تكوين العقلية الإنسانية أو بلورتها ، واتّخذ على مرّ الزمن أشكالًا مختلفة ومظاهر متنوّعة . فلا بدّ للماركسية - وقد استبعدت عن تصميمها المذهبي كلّ حقائق الدين الموضوعية ، من الوحي والنبوّة والصانع - أن تصطنع للدين وتطوّراته تفسيراً مادياً . وكان من الشائع في أوساط المادية أنّ الدين نشأ نتيجة لعجز الإنسان القديم وإحساسه بالضعف بين يدي الطبيعة وقواها المرعبة ، وجهله بأسرارها وقوانينها . . ولكنّ الماركسية لا ترتضي هذا التفسير ؛ لأنّه يشذّ عن قاعدتها المركزية ، فلا يربط الدين بالوضع الاقتصادي القائم على أساس الإنتاج الذي يجب أن يكون هو المفسّر والسبب الوحيد لكلّ ما يحتاج إلى تفسير وسبب .